الشيخ محمد هادي معرفة

295

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

قال : أمّا خلع نعلَيَّ بحاشية بساطك ، فإنّي أخلعهما بين يدَي ربّ العزّة كلّ يوم خمس مرّات ، فلا يعاتبني ولا يغضب عليَّ . وأمّا ما قلتَ : لم تسلّم عليَّ بإمرة المؤمنين ، فليس كلّ المؤمنين راضين بإمرتك ، فخفتُ أن أكون كاذبا . وأمّا ما قلتَ : لم تُكنّني ، فإنّ اللّه عزّ وجلّ سمّى أنبياءه ، قال : يا داود ، يا يحيى ، يا عيسى . وكنّى أعداءه فقال : « تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ » . وأمّا قولك : جلست بإزائي ، فإنّي سمعت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام يقول : « إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار ، فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام » . فقال له هشام : عظني ! قال : إنّي سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول : « إنّ في جهنّم حيّات كالقلال ، وعقارب كالبغال ، تلدغ كلّ أمير لا يعدل في رعيّته » ، ثمّ قام وخرج « 1 » . انظر كيف يكرّر لفظ « أمير المؤمنين » يعني به عليّ بن أبي طالب عليه السلام في حين امتناعه من التسليم عليه بذلك ، بحجّة أنّ في المؤمنين - ويعني أمثال نفسه - من لا يرضى بإمرته ! إن هذا إلّا تربية أهل الولاء لآل بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم دون غيرهم إطلاقا . * * * وروى ابن خلّكان بشأن ابنه عبد اللّه ما يُشبه صلابة أبيه في الدين ، قال : وروي أنّ أمير المؤمنين أبا جعفر المنصور ، استدعى عبد اللّه بن طاووس ومالك بن أنس ، فأحضرهما . فلمّا دخلا عليه أطرق المنصور ساعة ، ثمّ التفت إلى ابن طاووس ، وقال له : حدّثني عن أبيك . فقال : حدَّثني أبي أنّ أشدّ الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه اللّه تعالى في سلطانه ، فأدخل عليه الجور في حكمه . فأمسك أبو جعفر ساعة ، قال مالك : فضممت ثيابي خوفا أن يصيبني دمه . ثمّ قال له المنصور : ناولني تلك الدواة - ثلاث مرّات - فلم يفعل ، فقال له : لِمَ لا تناولني ؟ فقال : أخاف أن تكتب بها معصية ، فأكون قد شاركتك فيها ! فلمّا سمع ذلك ، قال : قوما عنّي . قال عبد اللّه : ذلك ما كنّا نبغي . قال مالك : فما زلت أعرف لابن طاووس فضله من ذلك اليوم « 2 » .

--> ( 1 ) - . المصدر نفسه ، ص 510 . ( 2 ) - . المصدر نفسه ، ص 511 .